الغزالي

197

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

يدخل النار ولأحد من أهل الجنة عنده مظلمة حتى أقتصّه منه ، حتى اللطمة » قلنا : وكيف ؟ وإنما نأتي اللّه عزّ وجلّ عراة غبرا بهما ؟ فقال : « بالحسنات والسيئات » . . فاتقوا اللّه عباد اللّه ، ومظالم العباد بأخذ أموالهم والتعرّض لأعراضهم ، وتضييق قلوبهم ، وإساءة الخلق في معاشرتهم ، فإنّ ما بين العبد وبين اللّه خاصّة ، فالمغفرة إليه أسرع ، ومن اجتمعت عليه مظالم وقد تاب عنها ، وعسر عليه استحلال أرباب المظالم ، فليكثر من حسناته ليوم القصاص ، وليسرّ ببعض الحسنات بينه وبين اللّه بكمال الإخلاص ، بحيث لا يطّلع عليه إلا اللّه ، فعساه يقرّبه ذلك إلى اللّه تعالى ، فينال به لطفه الذي ادّخره لأحبابه المؤمنين في دفع مظالم العباد عنهم . كما روي عن أنس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : بينما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالس إذ رأيناه يضحك حتى بدت ثناياه ، فقال عمر : ما يضحك يا رسول اللّه ، بأبي أنت وأمي ؟ قال : « رجلان من أمتي جثيا « 1 » بين يدي ربّ العزّة ، فقال أحدهما : يا ربّ خذ لي مظلمتي « 2 » من أخي . فقال اللّه تعالى : أعط أخاك مظلمته ، فقال : يا ربّ لم يبق من حسناتي شيء . فقال اللّه تعالى للطالب : كيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال : يا رب يتحمّل عنّي من أوزاري » قال : وفاضت عينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالبكاء ، ثم قال : « إنّ ذلك ليوم عظيم ، يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم » . قال : « فقال اللّه للطالب : ارفع رأسك ، وانظر في الجنان ، فرفع رأسه فقال : يا ربّ أرى مدائن من فضّة مرتفعة ، وقصورا من ذهب مكلّلة باللؤلؤ ، لأيّ نبيّ هذا ؟ ، أو لأيّ صدّيق هذا ؟ ، أو لأيّ شهيد ؟ ، قال : لمن أعطاني الثمن . قال : يا ربّ ومن يملك ثمنه ؟ قال : أنت تملكه . قال : وما هو ؟ قال : عفوك عن أخيك . قال : يا ربّ أنّي قد عفوت عنه . قال اللّه تعالى : خذ بيد أخيك ، فأدخله الجنة » . ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند ذلك : « اتّقوا اللّه ، وأصلحوا ذات بينكم ، فإنّ اللّه يصلح بين المؤمنين » .

--> ( 1 ) جثيا : قعدا . ( 2 ) مظلمتي : حقي .